يرى الباحث داغيم يوهانس أن قراءة أحداث عام 2011 في مصر من زاوية فشل الثورة أو عودة السلطوية فقط لا تكفي لفهم التحولات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي. ويؤكد أن الدولة المصرية لم تكتفِ باستعادة أدوات الحكم السابقة، بل أعادت تشكيل منظومة القمع نفسها عبر آليات أكثر تعقيداً وقدرة على التكيف، ما سمح لها بترسيخ السيطرة داخل البنية القانونية والمؤسساتية والاجتماعية للدولة.
وتوضح منصة هورن ريفيو أن المرحلة التي أعقبت انتفاضة 2011 بدت في بدايتها وكأنها تفتح الباب أمام المساءلة والإصلاح، خاصة مع محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك. غير أن هذا المسار لم يؤدِ إلى تغيير جذري في مؤسسات الدولة، بل حافظت الأجهزة الأمنية على نفوذها ومواقعها الأساسية. وبرزت هذه الاستمرارية بوضوح بعد أحداث فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، التي شكلت نقطة تحول مفصلية في علاقة الدولة بالمعارضة السياسية.
القوانين أداة لإضفاء الشرعية على القمع
يؤكد الكاتب أن القمع في مصر بعد 2011 لم يعتمد فقط على القوة الأمنية المباشرة، بل استند إلى بنية قانونية واسعة منحت السلطات أدوات إضافية للسيطرة. فقد وسّعت التشريعات الجديدة صلاحيات الدولة في التعامل مع الاحتجاجات والأنشطة السياسية والإعلامية، وحولت كثيراً من أشكال المعارضة إلى أفعال قابلة للملاحقة القانونية.
ويشير إلى أن قوانين التظاهر ومكافحة الإرهاب منحت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة لحظر التجمعات وملاحقة المعارضين وتقييد حرية التعبير. ونتيجة لذلك، لم يعد القمع يظهر بوصفه إجراءً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من منظومة قانونية ومؤسساتية دائمة، الأمر الذي رسخ ما يصفه الكاتب بحالة استثناء مستمرة داخل النظام السياسي.
خطاب الأمن وإعادة تشكيل المجال العام
رافقت هذه التحولات القانونية عملية أوسع لربط المعارضة بمفاهيم التهديد الأمني والإرهاب. فبعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، توسع استخدام الخطاب الأمني ليشمل أطيافاً مختلفة من النشطاء والصحفيين والمعارضين السياسيين، بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية أو الأيديولوجية.
كما عززت الدولة حضورها داخل الفضاء العام عبر الرقابة المشددة والإجراءات الأمنية المكثفة في المدن الرئيسية، خاصة القاهرة. وأصبحت عملية تنظيم الاحتجاجات أو التجمعات السياسية أكثر صعوبة ومخاطرة، مع تداخل القيود القانونية والإجراءات الأمنية في الحد من أي حراك جماعي محتمل.
ويرى الكاتب أن هذه السياسات لم تستهدف الأفراد فقط، بل سعت أيضاً إلى تفكيك الروابط الاجتماعية والسياسية التي تسمح بتشكيل حركات معارضة منظمة. وأسهمت المراقبة المستمرة والتوسع في استخدام القوانين الأمنية في خلق مناخ من الحذر وعدم الثقة، ما أضعف قدرة المجموعات المختلفة على التنسيق والعمل المشترك.
المجتمع المدني بين التقييد وإعادة الهيكلة
امتدت هذه السياسات إلى منظمات المجتمع المدني التي لعبت دوراً بارزاً خلال أحداث 2011. ففرضت الدولة قيوداً واسعة على التمويل والأنشطة التنظيمية، الأمر الذي حدّ من قدرة هذه المؤسسات على التأثير السياسي أو تعبئة الرأي العام.
ويؤكد الكاتب أن السلطات لم تسعَ إلى إلغاء المجتمع المدني بالكامل، بل أعادت صياغة البيئة التي يعمل داخلها بحيث يبقى خاضعاً للرقابة ومحدود التأثير. ويعكس ذلك طبيعة النظام الجديد الذي لا يكتفي بالاستجابة للمعارضة بعد ظهورها، بل يعمل على منع تشكلها منذ البداية.
ويخلص المقال إلى أن النظام السياسي في مصر أعاد بناء السلطوية بصورة أكثر تعقيداً واتساعاً مما كانت عليه قبل عام 2011. فبدلاً من الاعتماد على القمع المباشر وحده، دمج القانون والخطاب الأمني والمؤسسات الرسمية وآليات الرقابة الاجتماعية في منظومة واحدة تهدف إلى إدارة المجال السياسي والسيطرة عليه. ورغم ما يبدو من استقرار، يرى الكاتب أن استمرار هذا النموذج يعتمد على إنتاج دائم للخوف والرقابة والضبط، وهو ما يجعل متانته مرتبطة بقدرته المستمرة على احتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة.
https://hornreview.org/2026/06/18/the-structural-rebuilding-of-repression-in-post-2011-egypt

